السيد الطباطبائي

22

تفسير الميزان

الأشياء وتركيب أجزائها بحيث تتناسب فيما بين أنفسها وتناسب ما وراءها ومن ذلك ينتشر الخير الكثير . ووصفه تعالى بأحسن الخالقين يدل على عدم اختصاص الخلق به وهو كذلك لما تقدم أن معناه التقدير وقياس الشئ من الشئ لا يختص به تعالى ، وفي كلامه تعالى من الخلق المنسوب إلى غيره قوله : " وإذ تخلق من الطين كهيئة الطير " المائدة : 110 وقوله : " وتخلقون إفكا " العنكبوت : 17 . قوله تعالى : " ثم إنكم بعد ذلك لميتون " بيان لتمام التدبير الإلهي وأن الموت من المراحل التي من الواجب أن يقطعها الانسان في مسير التقدير ، وأنه حق كما تقدم في قوله تعالى : " كل نفس ذائقة الموت ونبلوكم بالشر والخير فتنة " الأنبياء : 35 . قوله تعالى : " ثم إنكم يوم القيامة تبعثون " وهذا تمام التدبير وهو أعني البعث آخر مرحلة في مسير الانسان إذا حل بها لزمها ولا يزال قاطنا بها . قوله تعالى : " ولقد خلقنا فوقكم سبع طرائق وما كنا عن الخلق غافلين " ، المراد بالطرائق السبع بقرينة قوله : " فوقكم " السماوات السبع وقد سماها طرائق - جمع طريقة - وهي السبيل المطروقة لأنها ممر الامر النازل من عنده تعالى إلى الأرض ، قال تعالى : " يتنزل الامر بينهن " الطلاق : 12 ، وقال : " يدبر الامر من السماء إلى الأرض يعرج إليه " ألم السجدة : 5 . والسبل التي تسلكها الأعمال في صعودها إلى الله والملائكة في هبوطهم وعروجهم كما قال : " إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه " فاطر : 10 ، وقال : " وما نتنزل إلا بأمر ربك " مريم : 64 . وبذلك يتضح اتصال ذيل الآية " وما كنا عن الخلق غافلين " بصدرها أي لستم بمنقطعين عنا ولا بمعزل عن مراقبتنا بل هذه الطرائق السبع منصوبة بيننا وبينكم يتطرقها رسل الملائكة بالنزول والصعود وينزل منها أمرنا إليكم وتصعد منها أعمالكم إلينا . وبذلك كله يظهر ما في قول بعضهم : إن الطرائق بمعنى الطباق المنضودة بعضها فوق بعض من طرق النعل إذا وضع طاقاتها بعضها فوق بعض ، وقول آخرين : إنها بمعنى المبسوطات من طرق الحديد إذا بسطه بالمطرقة . على أن اتصال ذيل الآية بصدرها على القولين غير بين .